المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " فراشة الربيع "


سر الحياة
19-06-06, 08:48 AM
بلادةٌ في الموسيقى .. في العطور .. في روائح الأجساد ، في صراخ الطفلة من آخر القاعة ، في علبة الفشار المسكوب تحت قدميها ، في الأفخاذ الدسمة المفصولة من أجسادها ، بلادةٌ .. في سوق شرق !!

و الفراغ في روحي مؤبدٌ ، ممتدٌ .. مثل عقوبة ..

لم يكن يومي يحمل نفحة اختلاف عما سبقه ، الشيء الوحيد الذي تغير فيّ اليوم هو أنني أهملت أمر ذقني ، مما يتواءم إلى حد ما مع حالة الاشمئزاز التي تغشتني ..

يزفر فهد :
- أوف .. ملل !

لم أكن الوحيد إذاً !

- و إنت ما لقيت إلا سوق شرق ؟!
- وين نروح يعني ؟
- أي مكان يا أخي .. الخيران .. النادي .. انترنت كافيه .. أي مكان !
- قلنا نشوف شعندهم على هلا فبراير ..
- إلي يشوفك يقول الجيوب طافحة .. كل إلي عندي و عندك خمس دنانير .. لا و متسلفينهم من سيلانيتكم !

يقفز أمامي وجه دايا المتشرب بالتجاعيد ، تلوح بالدنانير أمامي و تهدد ، ستخبر والدي إن لم أعدها لها خلال أسبوع ، دايا طيبة .. لكن عندما يصبح الأمر متعلقا بالمال تتحول إلى مسخ ، ستفضحني أمام والدي إن لم أسدد لها ديونها كاملة ، فاتن .. و غزليات آخر الليل تحت اللحاف .. و فواتير الهاتف الطويلة !

- جسوم !
- هاه ..
- روح اشتر لنا تذاكر .
- فهد إنت ما تمل ؟ كل الأفلام شفناها خمس مرات ..
- لا لا .. في فلم ما شفناه .
- أيهو ؟
- بظ يطير !

أحدق فيه بعيداً عن التصديق ، و أرتطم بالجدية في ملامحه .. أضحك بصخب ، تلتفت إليّ الأعناق ، و يغتاظ صاحبي ..

- هذا فيلم كرتون !
- أدري ..
- من صجك إنت ؟
- إيه يبه شفيك !

أعاود الضحك ، أهز رأسي يمنة و يسرة ..

- أصلا أفلام الكرتون ما تنعرض بالليل .
- ما شاء الله متابع ؟!

هذه المرة كان الضحك من نصيبه !


*


كان علينا إذاً أن نشتري تذاكر فيلم نراه للمرة السادسة ، لم يكن أمامنا إلا هذا ، و تحديدا في تلك اللحظة - أثناء وقوفي في طابور شراء التذاكر - كانت قصتي قد بدأت ، عندما تحسست تحت قدميّ شيئاً يابساً ..

أمرٌ مثيرٌ حقاً !! أن تجد مذكرة نسائية كهذه تستلقي بغنج بين قدميك ، مثل فاتنة تغازلك ، أشعار و خواطر و صور فساتين و أشياء أخرى كثيرة صادفتني و أنا أقلب صفحات المذكرة بيديّ ، إنها فرصة العمر تواتيني لاكتشاف تفاصيل امرأة .. !!

دسستها في جيبي .. مثل خطيئة شهية ، لم أشأ – حتى تلك اللحظة – أن يعلم أحدٌ – ولا حتى فهد - بأمر هذا الكنز الصغير الذي وقع بين يديّ حتى أفرغ من قراءتها ، و أملك الكثير لأخبر عنها ، و أنال سبقاً صحفيا و امتيازات براءة الاكتشاف ..

تبددت كل الأصوات من حولي فجأة ، فاتن ، و أبي و حتى دايا ، و انتابني شعورٌ مغرور بأن الحياة رائعة !

مذكرة امرأة .. هذا ما كان ينقصني حقاً !!



*


أنا لوحدي هذه المرة ، و الباب مقفل .. و المذكرة الأنثى تستلقي بدلال بين أصابعي ..
بالكاد أسيطر على الإثارة الفائضة فيّ :

- بئينا لوحدنا يا قميييل !!

أتفحصها ببطء .. بمهل .. بحذر ، أشعر بأن في كل ركنٍ منها ، في كل سطر ، في كل حرف مكتوب ، في كل ضمة و كسرة و خطأ إملائي و ستيكرز طفولي .. كل شيءٍ فيها يرسم ملامح تلك المرأة ، و ذوقها الذي بدا فائر الأنوثة من لوحة الغلاف ، لامرأة ترتدي ثوبا شاحب الزرقة يكشف عن كتفيها البضين ، و تزين شعرها الأشقر بطاقات من الأقحوان البري ، بفمٍ مكتنز نصف مقفل و نصف مفتوح .. و كأنها تريد أن تبوح بسرٍ ما .. أكثر مما باح به العطر المتضوع من صفحاتها ..


*


الصفحة الأولى كانت تحمل لوحة امرأة ، مرسومة بإتقان بالقلم الرصاص ، كان وجهها حزينا ، عيناها شبه مغمضتين و ثغرها ضامر و كأنه متآكل لأنثى أتخمت بالصمت حتى شبعت .

و ذيلت اللوحة بتوقيع : فراشة الربيع ، مع رمز صغير لجناحي فراشة ..

على الصفحة المقابلة وجدت بيانات تخصها ..

الاسم :



" اسمي أنا ..
دعنا من الأسماء ..
رانيا .. أم زينب ..
أم هند .. أم هيفاء ..
أسخف ما نحمله يا سيدي .. الأسماء !

( نزار قباني )


العمر :

لا تُسأل المرأة عن عمرها .. و لا أحيد عن قوانين حواء ..

البرج : كذب المنجمون و لو صدقوا ..

الطول : أقصر قليلا .. من قائمة أحلامي ..

فصيلة الدم : سكر شربات (!)

الهوايات :

أن أرقص على الخط الفاصل بين المباح و الممنوع ..
أن أنام على رصيف الهوامش ..
و ألون كل شيءٍ بالبياض

شعرتُ بوخزة خجل أولية .. لكون ما قرأته أعمق من قدرتي على الالتقاط ، شعورٌ مرٌ ينتابك عندما تقف في حضرة أنثى مليئة بالكثير ، و تجد نفسك على الطرف الآخر .. طافحاً بالفراغ !


*


الجزء الأول من المذكرة كان مرسمها الصغير ..

لوحات متناهية البداعة ، بعض رسوماتها كانت مكررة و كأنها التقطت المشهد ذاته من زوايا عدة ، وجدت لوحات لفراشة ، نافورة ، غيوم ، شمعة تذوي ، باقات الخزامي و النرجس ، غروب ، عناق على الشاطئ ، عين تدمع ، امرأة تنام على الرصيف ، طفلة تبيع كبريت ، رجل و ظل ، صنارة صيد ..

الخدر يعبئ روحي بعفوية إذ أنا أنقل بصري بين هذي اللوحة و تلك ، مبهورا بالشاعرية المتفجرة من تلك اللوحات .. أتنهد بعمق و يتراءى لي أنني وقعت في براثنها بسهولة .. لولا أن الأمر لم يكن يرضي غروري ، أن أعشق أنثى من أول ( صفحة ) !



*


القسم الثاني كان بعنوان : مطرٌ ملون
يحمل شيئا من خواطرها الشخصية ..

" هل ثرثرنا من قبل عن تفاهة المغازي ..
و سخافة النكات ؟
هل جربت أن تخوض في ذات الأحاديث المملة ..
تكرر ذات العبارات .. المشبعة بالروتين ..
تبتسم .. ذات الابتسامة الصفراء ..
كل هذا ..
لكي تخبرهم
أنك .. ما زلت حيا ..
و يسجل الملكان
كذبة جديدة ..
في صحائفك "

هل كانت فراشة الربيع تعاني – مثلي ! – من الفراغ ؟!


" و ماذا يعني .. رحيلك ؟

سأستمر في متابعة مباريات المنتخب ، و في تسجيل أبطال الديجيتال ، سأوفر ربع دينار من مصروفي ، أشتري به حلوى .. و مفرقعات ، سألعب في فناء المنزل كل يوم ، أبني بيوتا من طين ، و لن يكون هناك من يطأها بقدميه ، سآخذ معجون الأسنان من حمامك ، و ألقي به من النافذة ، و لن تكون هنا لضربي ،

سأجد بعض الفلوس .. على منضدة غرفتك ، سآخذها .. و لن تشعر ، ماذا يعني .. رحيلك ؟

أخي ..

متى تعود ؟

أخاف النوم وحدي"

بدأت أضع الاحتمالات على شفرة الألم الذي غمرني لحظتها ، هل لها أخٌ ميت ؟ أم أسير في سجون العراق ؟ اخترت لنفسي البديل الأفضل .. بأنه شجار مؤقت و سيعودا كما السابق ..


" الصداع ..
الوهن ..
و الدموع ..
كلها هنا .. في جيبي ..
سأكف منذ اليوم عن التسول ..
لدي من الأحزان .. ما يكفي لتطهير العالم كله ..
و لبناء مدينة أفلاطون الفاضلة ..
و لاستزراع حقولا من عنب .. و أخرى من فجل ..
المشكلة .. أن ثماري ..
ستكون مالحة "

مازوشية مفرطة تكتنزها هذه المرأة ، إما أنها لا تعرف طعما للسعادة ..
أو ربما لا تكتب .. إلا في نوبات الحزن !!


" متاهة الضباب ..
و سراديب غيابك ..
و لحظاتنا التي باتت تتداخل .. و تتشابك ..
لتغزل من نفسها .. حبال مشنقة لي ..
كلها ..
أجبرتني على الفرار ..
و لم يكن ثمة طريق أمامي ..
للنسيان ..
غير ذلك الموت المؤقت ..
السيد النوم ..
و لكنك ..
تقدمت بكل قسوة ..
و انتزعت مني جفوني ..


فكيف لي ..أن أنام ؟! "



آمل أن لا تكون فراشتي .. عاشقة !!


*

- ألو ؟
- جسوم وينك يالغبي ..!
- هاه ؟
- منت ياي الفنار اليوم ؟!

آه !
نسيت تماما أمر موعدي مع فهد ..
و ماذا يعني ذلك ؟
سبع ساعات من قراءة فراشة الربيع أفضل من نصف ساعةأقضيها في أسواق أحفظ كل أركانها أكثر من غرفتي !

- أووه .. آسف شباب .. ما أقدر أشوف الفيلم معاكم .. مشغول !
- يالله من فضلك .. شعندك بعد ؟
- مشغول و خلاص .. يه !


*


القسم الثالث بعنوان " يومياتي " .. ، و كان الجزء الأكثر إثارة في المذكرة كلها ..
" ذهبت اليوم إلى جمعية مشرف لشراء بعض الأغراض التي طلبتها أمي .. و لفت نظري واحد من الشباب .."

- حلو ! دخلنا في العميق ..

اعتدلت جالسا و قرأت بتركيز مفرط :
"منظره أثار اشمئزازي ، رسخ لدي شعورا طاغيا بالهزيمة النفسية لدى الشعوب العربية "

خاب ظني ، خلتها قالت " يومياتي " فإذا هي تقحمنا في السياسة .. !


" كان يرتدي " شورت جينز " يكاد لا يلامس ركبته – و لو كنت أملك ركبة كركبته لآثرت إخفاءها – و قميصا مشجرا باللونين الأحمر و الأصفر و كأنه سائح في شواطئ هاواي ، كان حليق الذقن إلا من لحية صغيرة يسميها أبي ( لحية التيس ) .. يعني بالكويتي ( قفل بدون شوارب ) .. و يرتدي نظارة حمراء و يكثر التلفت هنا و هناك بحثا عن الأنظار ..

تمنيت لحظتها لو أن الحكومة ( تسحب منه جنسيته ) و تعطيها ( لأحد البدون ) مع رسالة ( خل أمريكا تنفعك ! ) "

رحت أتأمل نفسي في المرأة ..

- الحمد لله ما طعت حمود الغبي و حلقت شواربي !


*


الصفحة التالية كانت تحمل قائمة أحلامها .. و ليست كالأحلام !

" أثمن ما اقتنيته في حياتي ، أحلامي ، حرصت على أن أنتقيها بحرص ، و وسط الضحكات التي كانت تصيبني بالاختناق آثرت أن أبقيها في طي الكتمان .. ربما لكونها مقدسة رغم كل ما تحمله من جنون .. و لكنني هنا .. بين سطور مذكرتي الصغيرة .. يمكنني أن أبوح .. و بحرية .. و لن تكون هناك أي ضحكات لتخنقني ..
كان أدنى ما أملك من أحلام .. هو أن أغير العالم ..
ربما ..
أن أطهر العالم ..
و ربما ..
أن أنفذ مشروع أفلاطون ببناء المدينة الفاضلة ..

أنا أضحك في أعماقي على سذاجة هؤلاء الذين يرددون كالببغاوات " لا شيء مستحيل " ثم يملئون كروشهم بالرغيف و ينامون على جنبهم الأيمن ..
للحظة يخيل إلي أن مذكرتي هذه ستضحك مني .. لدرجة أخاف معها أن أقول .. بأنني أحلم بحياة بعيدة منعزلة عن البشر .. لم أشعر يوما بالراحة بين هذه المخلوقات !
آه يا ربي ..
هل يحق لي أن أدعو لنفسي بجناحي فراشة ؟ لأجرب شعور الطيران و لو للمحة خاطفة ؟
و أتذوق طعم السحاب لأثبت لأخي بأن له طعم شعر البنات ؟!
و أخيرا .. حلمي الأعمق .. و الأروع .. أن أعيش طوال حياتي بلا أحلام .. لأن اقتناءها .. متعب جدا "


تبا لك !
ألا تحلمين بزوج و أطفال ؟!


*


" ليت نيوتن لم يكتشف قوانين الجاذبية ..
لم يبق في الحياة ما يستحق الاكتشاف ! "

ضحكت حتى كدت أختنق ..

فتاتي الفاتنة لا تختلف عن من سواها من العرب .. متخاذلون .. و نلقي باللائمة على القدر ..

" لم أقصد جاذبية الأرض ..
لعلي أحلم بقوانين فيزيائية جديدة .. تفسر جاذبية بعض المخلوقات .. "

- أوف ! شتقول هذي ؟!

" فيزياء الحب " ؟ ألم يفكر أحد بدراسة هذا العلم ؟

كلما درست قانونا جديدا للجاذبية .. و حاولت تطبيقه على علاقتي بمن حولي .. وجدت بينهما الكثير من التشابه ، ربما لم يكن تاما ، لكن مع بعض التحريف .. سأبتدع علما جديدا ..
اللعين نيوتن .. ليته ترك لي المجال وحدي !

لم أفكر بقانون إلا و قد سبقني إليه "

غرقت في حالة من الذهول ..

- بدت تتفلسف الخبلة .. يا بنت الناس أبي أقرا شي عنك .. عن حياتك الشخصية .. عن أسرارك الخاصة .. لا عن نيوتن و لا الفيزياء و لا الخبل بو قفل من غير شنب !!


*
طويت الصفحة و تلتها صفحات .. استوقفتني كلماتها هذه :

" صرخت اليوم في وجه أبي لأول مرة ..

- أوف ! قوية ! خلنا نقرا يا معــود !

" لم أستطع كبح جماح غضبي .. ضربه الدائم لوالدتي بدون سبب أجبرني على التدخل لأضع حدا للمهزلة التي حفظناها ، حملت المزهرية و قذفت بها على الأرض لتتهشم تحت قدمي .. و يوقف تحطمها من مأساة تعرضنا لذات المشهد المرعب ، لم أتوقع يوما أنني يمكن أن أصل إلى هذه الحالة .. أن أضرب و أركل بدون شعور ، انتهى الأمر بي أن قبلت جبينه و طالبت باعتذاره ..

صفعني .. ثم صفح عني .. و بذات التبلد انصرفت إلى غرفتي .. لأقرأ ! "
- لا حول ولا قوة إلا بالله ..

كان خطها مرتبكا .. واضح أنها كانت تكتب بانفعال ، و في زاوية الصفحة كانت الحروف متداخلة بسبب دموعها التي امتزجت بحبرها ..

تلك الصفحة بالتحديد .. خلقت غصة مرة في حلقي ، شعور جم بالتفاهة ملأني عندما تصفحت حياتي التي لا تتجاوز متاعبها مهمة إقناع أبي بشراء اللاند كروزر .. أو النجاح في اختبار ..
ترى .. لم شعرت بالخجل .. من تلك المذكرة .. وقتها ؟!

تباً !!


*


" اليوم صادفني موقف مخجل في الجامعة .. كنت أتمشى مع ( شهد ) و أثرثر معها عن فكرة جديدة تراودني :

- شهد سمعيني و الله فكرتي ولا عليها !
- يووه يا كثر أفكارك يا حنّون !

هوب .. هوب !! نقطة نظام .. !! هل قالت .. حنون ؟!
اسمها إذا .. حنـــــــــان !
اللـــه .. اللـــه .. حنان ..
اللــــــــــه !!
حنـــــــــــــــــــــان !!
حنااااااااانيكِ يا من .. سكنتِ الحنااااااااااياااااااااا ..

تقاطعني أمي في أجمل لحظاتي الغرامية مع اسمها بطرق الباب .. تنغص علينا خلوتي بصوتها الحاد بعد أن تناهى إليها صوت غنائي النشاز : جسوم إنت شقاعد تسوي ؟!
- ولا شي .. يمه .. ولا شي !

انصرفت تتبعها دهشتها .. و تفرغت أنا للقراءة ..

" – إن شاء الله إذا كبرت و صرت مديرة .. أو وزيرة .. أو عضوة برلمان .. راح أسوي مشروع تكسي بحري ..
- الله يشفيك إن شاء الله
- يا شهود سمعيني .. عندنا بحر في الخليج ماكو أحلى منه ..ليش ما نستفيد منه و نخفف زحمة الشوارع ؟! و إن شاء الله بحول الله إذا نجح المشروع .. بسوي ( تلفريك ) .. من برج التحرير إلى حولي و السالمية و شرق .. منها وناسة .. و منها نعالج التلوث !
- حنون إنتي خيالك راح يقتلك في يوم من الأيام ..
هذا هو رد شهد المعتاد .. و ليس هذا ما أحرجني ..
و لكنني لم أنتبه إلى أن ناصر الحمدان كان يسير ورائي بالضبط ، و لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يتبسم ضاحكا من قولي .. شهد دفنت وجهها بيديها و راحت تضحك أيضا ..
و لشدة ارتباكي .. اصطدمت بالجدار .. و استحال التبسم إلى قهقهات ! "

من هو ناصر الحمدان هذا ؟!!!


*


" و إنتا معايا .. أنا بتونس بيك !! "
تنظر إلي أمي بعينين طافحتين بالعجب ..
تعجز عن كبح جماح سؤالها : جسوم .. إنت شفيك ؟!

- أنا بتونس بيك ..
- هوْ ! جسوم .. ويعة !!
- أحبك يمه .. بتونس بيك !

يقاطعنا أخي ( محمد ) ضاحكا : يمه .. ترى جاسم يحب ..
- و إنت شكو .. مع قفلك الغبي .. أول مرة أشوف قفل من غير شوارب ..
- إنت شعرفك بالموضة حبيبي ؟
- إيه .. صدق .. للناس فيما يعشقون مذاهبُ ..
- و إنت شتعشق مع ويهك ؟!

تربت يدي على المذكرة النائمة بصمت في جيبي .. و أبتسم ببلاهة ..

و أنسى الرد ..
يقاطعنا أبي بحضوره : صبحكم بالخيــر ..
أسرعت إليه و قبلت جبهته .. لأول مرة !

- صبحك الله بالخير يوبا ..

بالكاد استطعت السيطرة على رغبتي بالضحك ، كان العجب يملأ عيني أبي و أمي .. و محمد أيضا ، جلس أبي معنا حول الطاولة يداخله سرور مشوب بكثير من الارتياب حولي .. أظنه مدين لحنان بهذا التغير في تصرفاتي .. بدأت أحبه أكثر ، أحترمه أكثر !!

أبي : هاه ؟ مستعدين حق صلاة الجمعة ؟
محمد يتلعثم : يوبا أنا عندي امتحان رياضيات .. و لازم أدرس ..
يغضب أبي : ألحين الصلاة هي إلي معطلتك ولا الصياعة في الأسواق ؟! و إنت جسوم شعندك ؟

بزهو .. رددت : ما عندي شي يوبا ..

الدهشة تتعاظم ، و أصدقكم القول بأنني كنت أكثرهم دهشة من هذا التحول المفاجئ ، كنت قد قررت فجأة أن أنضج .. أن ألتفت إلى أمور لم تكن تهمني .. أمور مهمة .. صلاتي التي كنت أهملها .. دراستي .. أسرتي .. و أشياء كثيرة ..

محمد شعر بالغيرة : إنت تروح المسجد جسوم ؟!!
- إيه ..
شعور بالفخر ساورني .. مع كل حرف من إيه !

أمي تضرب جيدها بيدها و تردد : سبحان إلي يغير ولا يتغير ..
أبي كان فخورا بي : حمود ليش ما تسوي مثل أخوك الكبيـر ؟

رد محمد بانفعال : ما عليك منه يوبا .. قبل شوي كان طايح له مواويل .. ألحين صرت مطوع لأنك تبي أبوي يشتري لك اللاند كروزر .. اعترف جسوم حركاتك هذي مو علي أنا ..

- لا حبيبي .. أنا صرفت النظر عن اللاند ..
- عيل شتبي مع الويه ؟!
- سلامتك .. أنا رايح أبدل هدومي .. تشاو !

" و انتا معايا .. أنا بتونس بيك .. "

أبي أطلق تعليقا ساخرا : رايح تصلي الجمعة ولا رايح عرس ؟!


*


كانت معي دائما .. تحلق .. تحلق .. تحلق .. فراشة ملونة ، كانت فوق السرير أحياناً .. و كنت أقبلها ..
و أحيانا .. تتمشى معي في جمعية ( مشرف ) .. و تسخر من شاب بـ ( قفل من غير شوارب ) !
و أحيانا .. أتأملها تعلق لوحاتها على جدران حجرتي .. أو تملأ تلك المزهرية بالورد الأبيض ..

كانت في كل مكان .. حولي .. و معي .. و فيّ ..

كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بالحاجة إلى أنثى تملؤني .. تلك الحاجة الملحة ترتب عليها الكثير من التضحيات .. قدمتها بطيب نفس .


- ألو ؟
- هلا جسوم .. اليوم الشباب رايحين الصالحية .. موعدنا الساعة سبع .. ماشي ؟
- لا أنا اليوم مشغول ..
- إنت شسالفتك ؟ إلي يشوفك يقول عندك مرة و عيال ..



ابتسامة لذيذة ترتسم على شفتي : الله يسمع منك !!

- هاه شقلت ؟
- عن شنو ؟
- عن الصالحية يالدايخ ..
- لا أنا بطلت مغازل خلاص ..
- جسوم من صجك ؟
- إيه يوبا شفيك إنت ..
- شالسالفة ؟
- بعدين .. بعدين .. عندي مكالمة على الخط الثاني .. باي يالبطة ..
- هين أوريك !

على الخط الثاني .. يأتيني صوت فاتن .. رقيقا كعادته :

- أيا غالي أبو الموقة ..
- هلا ..
- هلا بس ؟
- شلون يعني ؟
- ما في هلا حياتي .. هلا عمري فاتن .. هلا بهالصوت ؟؟
- بس فاتن خلاص ..
- خلاص ؟ شنو إلي خلاص ؟
- لا تتصلين علي .. أوكي ؟
- ليش ؟
- بس أنا بطلت خرابيط ..
- هاهاها .. طاع هذا !
- ترى مو قاعد أتمصخر .. فاهمة ؟؟
- مستحيل .. ماني قادرة أصدق إنك جاسم إلي لحقني من سوق إلى سوق عشان آخذ رقمه !
- كنت حمار و ما أفهم ..
- و ألحين عقلت ؟!
- إيه
- زين .. أوريك .. راح تتحسف ..



كلاهما أتمم المكالمة بـ " أوريك " هذه ..

ملأتني تلك التنازلات التي قدمتها بكثير من التوجس ، شعرت لوهلة بأنني لا أفكر بما أفعله ، و أن كل تصرفاتي باتت مدفوعة بما تحبه حنان و ما تريده حنان .. المرأة التي لم أعرفها يوماً .. المدينة الفاضلة !

كنت أحلم .. أهيم في الوهم .. و أعانق سعادة هشة ، كل شيء مرهون بلحظة ارتطامي باستحالة حصولي على تلك الفتاة ، لا لسبب سوى أنها حنان .. فراشة الربيع ، و أنا جاسم .. مجرد لا أحد !

بلوعة حارقة .. عاودت القراءة من جديد ، للمرة الرابعة ربما ، بحثا عن تلك المتعة القديمة التي اجتاحتني يوم قرأتها أول مرة .. و لكنني وجدت نفسي أعقد مقارنات سافرة بيني و بينها .. مقارنات أورثتني غصة مؤلمة ..
هي .. تفيض طموحا .. و تقطر بالأمنيات .. و أنا .. لا شيء أكثر من لاند كروزر و عشيقات ! هي .. كاتبة .. و رسامة .. و أنا لا أجيد سوى التسكع في الأسواق ..
هي .. تعيش من أجل ارتقاء أعلى مراتب المثالية المتاحة .. و أنا .. أخوض في وحل التخاذل ..
تلك المقارنات كانت تطبق علي .. تخنقني .. تخنقني ..

كان صدري يتمزق ببطء ، و كأنني أدفع ثمن تفريطي طوال حياتي .. و كان الثمن باهظا حقاً ، أن تفقد شيئا رائعا قبل أن تملكه أصلا ..



*


بعد مخاض دمعة مؤلمة ، كنت قد نحرت حلمي بين يديّ خوفاً من مزيدٍ من التمادي في طريقٍ مسدود ..
أغلقت المذكرة و قررت أن أنساها ..


*


جسوم ؟ جسوم ؟!!
- هاه ؟
- وين رحت ؟
- هاه ؟؟ لا .. لا .. كنت سرحان بس ..
- إلي واخد عألك يتهنى به !

الوجوم حليفي طيلة أسبوع ، حتى انفجر فهد في وجهي ..

- إنت مو ناوي تصير ريّال و تتكلم ؟! شوف و الله إن ما قلت شفيك لا أسدحك على الأرض و هات طق لما تتكلم .. ياخي أنا صاحبك .. صارحني قولي شفيك و راح أساعدك .. شفايدتي عيل ؟!

تنهدت بضيق : ضايق صدري ياخوي ..
- شوف يوبا .. شرايك نروح ( الصالحية ) نتغدى .. و هناك بالكافتيريا نتكلم على راحتنا ؟
- إلي تشوفه

و هكذا كان ، رويت لفهد قصتي منذ بدايتها و حتى هذه اللحظة ..

- زين و إنت ليش متكدر و شايل هموم الدنيا فوق راسك ؟
- يا فهد افهمني .. البنت فوق و أنا تحت ..
- أقنعها إنك تغيرت .. خلها تعجب فيك .. إنت ما تحتاج نصايحي جاسم .. خلك ذكي !
- يا ولد الحلال هذي غير .. مو مثل بنات شرق .. البنت محترمة ولا أرضى أعاملها مثلهم ..
- تمام عليك .. اعزف على نفس أوتارها ..
- أخاف ما ترضى فيني .. و الله لو تعرفها مثلي .. ما تتجرأ تكلمها ..
- لأنك تعرفها زين .. و عارف شنو داخلها .. أكيد راح تعرف تتفاهم معاها ..
- ما قدر ..
- عموما إنت حاول .. و البنت بيني و بينك تستاهل .. و إنت تستاهلها لأنك صاحبي بس .. مو لأنك زين
- انطم عاد أنا مو ناقصك ..
- يوبا أتغشمر شفيك .. المهم .. كل إلي علينا ألحين إنا نوصلك لحنان .. و الباقي حبيبي عليك ..ماشي يوبا ؟



*


كان ناصر الحمدان - الذي عرفته عن طريق أحد معارف فهد - يشير إلى فتاة محجبة ، ترتدي ثوبا سماويا .. تسير مع اثنتين من صديقاتها و تثرثر بطلاقة ..

- شوف هذيك .. إلي لابسة أزرق .. إيه .. هذي حنان أم التلفريك ..

ها هي .. عينان حادتان .. ليستا واسعتين كما أحبهما .. تنمان عن بديهة يقظة .. فيهما فضاء حالم ، حاجبان دقيقان متناسقان .. شفاه رقيقة مكتنزة .. و بشرة حنطية ..

ليس ثمة ما هو مميز في تلك الملامح ، لو رأيتها صدفة في السوق لما أثارت فيّ أي نوع من الاهتمام ، و لما تصورت أن كم الخواطر و المشاعر و المذكرات و الرسومات الرائعة .. كانت كلها من هذا الجسد الضئيل .. و الملامح الحالمة .. الناعسة حتى اليقظة ..
لم تكن جميلة ..
لا .. لم تكن جميلة .. و لكنها كانت جذابة بشكل ملفت ..

هل بالغت .. يوم انتابتني لحظتها رغبة بالاقتراب منها و ضمها إلي طويلا .. طويلا .. كمن يحتضن العالم .. الحب .. الجمال .. يحتضن المدينة الفاضلة المزعومة لأفلاطون ؟! هل .. كان إحساسا زائفا .. رغبتي في أن أدفن وجهي بين يديها .. أبكي تأثري أمام هالة الجمال تلك التي كانت تدثرها كملاك بلا أجنحة ؟!

حنان .. حنان ..
أنا هنا ..
بحق السماء .. انظري إلي .. أنا جاسم !

كان شعورا مجنونا .. ذلك الذي ملأني .. بأنني كنت أعرفها منذ أعوام .. أعوام .. أعوام ، تحركاتها .. تبدل ملامحها أثناء الحديث .. ضحكتها .. صوتها .. حتى الطريقة التي ضربت بها كف صديقتها و التي أراهن بأنها شهد .. كل شيء فيها أعرفه .. أعرفه .. عرفته طوال حياتي التي بدأت لتوها فقط !



*


انصرف ناصر الحمدان بعد أن دلني على حنان .. لحظتها .. تمنيت لو أنه لم يفعل .. لكان وفر علي كم ألم حاد يعتصرني بقوة ، كنت أضعف من أن أبادر بأي خطوة ، و أنا أواجه روعتها هذه المرة بوضوح أكبر .. رجل لرجل .. أقصد .. رجل لامرأة !

بعجز تام .. اكتفت بالوقوف هناك .. أتأملها بلوعة ، كل الكلمات .. التي قضيت ليلة الأمس في حفظها .. بدت باهتة بمبالغة ، مفتعلة أكثر مما تحتمله تلك العفوية الطافحة من عينيها ..

اشتهيت أن أنخرط في حديث معها ، و ربما ما هو أضخم من ذلك ، أن أشرع لها صدري .. و أبوح عن كل لحظة .. كل حرف .. كل آهة .. شاركتني إياها دون أن تشعر ، كنت أحلم .. بما هو أكثر جنونا .. أن تتجاوب معي .. تبتسم .. و تكون تلك مبادرة قبول .. لأتقدم لخطبتها .. لأمتلكها .. هي .. هي .. أريدها ! تبا لي ! لمَ لم أقع في غرام إلا هذه ؟! هذه ؟! شقيقة المستحيل .. طفلة اللذة .. فراشة الربيع !!

*

أخرجت المذكرة .. تأملتها لمرة .. ربما كانت الأخيرة ..
فتحت على آخر صفحة فيها .. أخرجت قلمي .. و كتبت لها رسالة :



" حنان ..
اسمحي لي أناديك حنان ، بدون رسميات و ألقاب ، المشكلة إني أحس .. أني أعرفك من زمان ، و إن من حقي أناديك باسمك ..

بداية مندفعة ؟!
حاولت أقترب اليوم .. أسلمك المذكرة بيدي .. و على شفتي ابتسامة إعجاب ، و أقولك إنتي أروع إنسانة عرفتها .. بس للأسف ما قدرت .

تصدقين ؟! أنا أضعف من إني أواجهك .. مع إني في السابق كان أسهل شي عندي ألحق هذي و أكلم هذيك ..

أنا مو فاهم إلي صار بالضبط ، لكن الأكيد إني تغيرت كثير ، من دخلت حياتك .. أقصد دخلتي حياتي !

من فينا اقتحم حياة الآخر فعلا ؟؟ أنا .. ولا إنتي ؟؟ عندي أسئلة كثيرة ، ما أدري شقولك .. مجرد إني أكتب لك رسالة مثل هذي و إنتي كاتبة رائعة يحسسني بالخجل من نفسي .. لكن مع ذلك حاس إني لازم أتكلم ..

حاس إني لازم أعطيك وصية غالية ، من شخص ما تعرفينه و يعرفك عدل .. و يتمناك أكثر من أي شي ثاني ، بس ما يملك الجرأة يقترب أكثر ..

خلك دايما مثل ما إنتي ، أنا متأكد إنك في يوم من الأيام راح توصلين .. و تحققين كل أحلامك .. أنا مؤمن فيك .. و إنتي ما تحتاجين نصيحة واحد مثلي .. بس عشان خاطري حنان .. سامحيني لأني قريت مذكرتك .. أنا خجلان من نفسي بس في نفس الوقت مو ندمان لأنك غيرتي حياتي كلها ، أرجوك حنان .. أرجوك .. خلك دايما مثل ما قريتك و عرفتك و حسيتك ..

جاسم .."

انتزعت الورقة و طويتها لأدسها بين الصفحات .. كي أضمن أن تجدها عندما تفتح المذكرة ..
لا أدري .. كيف باغتتني الجرأة فجأة لمناداتها : حنان !!
التفتت بذعر .. و دون أن أعير أي اهتمام الدهشة التي كانت تملأ ملامحها ..
مددت يدي لها بالمذكرة ..
أمسكت بها بذهول ..
و قبل أن تنبس بحرف ..
كنت قد ابتعدت كفاية ..


*


من بعيد ..
وقفت أتأملها .. تقرأ رسالتي ..
عندما طوتها مرة أخرى .. كان على وجهها ..
طيف ابتسامة ، و سؤال !

.... ؟!

تمت ..
بثينة العيسى

الغزال العارضية
27-06-06, 11:09 AM
يااااااااااه ياسرالحياة ياااااااااه

قد يتغير مجرى النهر من ورقه,,
وقد نجتازه لحلم ,,!

بعض الكلمات فيزيائيه لها خاصية التحول
تحولنا من حالة جامده الى سائله بالكاد أن لانتبخر,,!

حنان وجاسم
..(كلاهما غارقان)..
إلا أن حنان عرفت ماتريد منذو البدايه
وجاسم تأخر عن العمر بزمن,,!

جميل هذا الحلم جميل


طبتي..


الغزال

.