أديم الفيصل
27-10-05, 05:48 AM
لقـــاء مع الأدب العربي , مع ........
لن أطيل لأن هناك صوت للجمال يهمس لي .. :
دعيهم يبحرون بدون مقدمات ..........................!!!
حوار: شاكر نوري- باريس
خاص بالمدى
لا يتركك أدب غادة السمّان لا مبالياً حتى لو تقصدت ذلك، فعلى مدى ثلاثة عقود، وأكثر من ثلاثين كتاباً، تمكنت الكاتبة العربية الشهيرة غادة السمان من رسم ملامح سيرة حياتية وأدبية حافلة واستثنائية بكل المقاييس. فقد ترجمت رواياتها إلى 13 لغة عالمية حيّة وتم تدريسها في كبريات الجامعات العالمية·· وتبقى روايات مثل (بيروت 75) و(كوابيس بيروت) و(ليلة المليار) و(سهرة تنكرية للموتى).. وأخيراً (الرقص مع البوم) خالدة في أذهان القراء العرب وغير العرب، خلال هذا التاريخ، لم تتوقف الكاتبة، الموزعة حياتياً وتجربة وغنى بين بيروت ولندن وجنيف ونيويورك وباريس، حيث تعشق شقتها المطلة على نهر السين حامل عذابات الكتّاب والأدباء العابرين لهذه المدينة، عن إثارة أبرز القضايا الساخنة، في علاقة جدلية بين ذات الكاتبة وتجاربها الحياتية.
يبقى الحوار مع كاتبة من طراز غادة السمان صعباً أو محفوفاً بمخاطر التكرار، فماذا يمكن أن أطرح عليها من أسئلة بعد هذا الكم الهائل من الحوارات التي أجريت معها؟! وجدت نفسي منقاداً إلى طرح موضوع الرجل في هموم الكاتبة...
* هل يمكن الحديث عن والدك، وما علاقتك بالرجل أباً و(زوجاً لأمك)، وبماذا أثر فيك؟
- لم أعرف أبي زوجاً لأمي، على حد تعبيرك الواقعي، حيث لم أعرف أمي التي رحلت عن عالمنا مبكراً، شابة لما تبلغ الثلاثين من العمر، وأديبة لم تتح لها فرصة جمع سطورها في كتاب.
قيل لي إنه حين رحلت أمي، أقيم مهرجان تأبيني لها في (مدرج جامعة دمشق)، ورثاها الشاعر (الناشئ) آنذاك قريبي نزار قباني بقصيدة موزونة مقفاة غير منشورة، كما رثاها آخرون من بينهم زكي المحاسني وغيرهم كثير ولا يزال كل من عرفها يذكرها بحب وحنين، ولكنني لسوء الحظ لم أعرفها ولا أذكر شيئاً عنها.
ومما جاء في قصيدة نزار قباني في رثائها قوله:
ويا روحها قد كنت جبارة العلا
ولكن - أيا لهفي- بجسم مضعضع
فطيري على الأكوان مثل حمامة
ومن فوق دوح في الفراديس فاسجعي
فمن بعد تلك الأم يضفر شعرها
عناقيد لفّت في بنان وإصبع
ومن غيرها يهفو عليها بضمة
تكاد من التحنان تمشي بأضلع
وهكذا عرفت أبي على أنه الأم والأب في آن، وعرفت عبره قدرة الرجل العربي على الحنان حتى الأمومة، والنبل والتضحية. هذه الصلة الإنسانية النادرة بيني وبين أبي كانت لقاحاً ضد التوهم الخاطئ أن الرجل العربي هو (الجلاد) وهو المسؤول عن تعاسة المرأة وتخلفها ودونيتها في مجتمعاتنا. وما زلت حتى اليوم استمد القوة من ذكرى والدي الرائع الرقيق، وما زلت حتى على ضفاف (السين) أسمع صوته الجميل وهو ينشد على ضفاف (بردى) أغاني عبد الوهاب القديمة الشاعرية وأذكر أنه كان -رحمه الله- حليفي الأول يوم بدأت الكتابة والنشر..
* ما علاقتك بابنك الرجل؟
- أجمل ما حدث لي في حياتي ليس الشهرة ولا ترجمة أعمالي إلى 13 لغة، بل الأمومة.
لقد كانت صلتي دائمة بابني منذ طفولته حتى اليوم وقد صار أستاذاً جامعياً في واحدة من جامعات (الآيفي ليغ) (أي الجامعات الخمس الأولى في الولايات المتحدة)، هذه الصلة كانت دائماً فرحة القلب ونبع غبطة وبهجة وتفاؤل. الأمومة رشوة من الطبيعة لكي نتقدم في السن سعداء بذلك، وحين أرى نضارة شباب ابني ووسامته وقامته المنتصبة كرمح وحيويته، أكاد أبارك تجاعيدي وأحتفي بها!
مرة سألتني زميلة عن رأيي في ابني فقلت لها: (ابني في عيني غزال!). فأنا أنتمي إلى فئة الأمهات الطريفات اللواتي يجدن أن الابن هو الأجمل والأعظم والأكثر رجولة وذكاء ونجاحاً.. ولا أكتمك أنني أحلم من زمان بأن أصير جدة.. وهي الأمنية الوحيدة التي لا أستطيع تحقيقها بنفسي! باختصار أنا معجبة بابني وفخورة به طفلاً ورجلاً.. إنه رائع حقاً!
* هل- بنظرك- سيبقى المجتمع العربي مجتمعاً ذكورياً وإلى متى يبقى الذكر مهيمناً وله مثل (حظ الأنثيين)؟
- دعنا لا نطرح الأمر في هذا الإطار النسوي (المتأمرك)، فالرجل العربي هو المسؤول عن إعالة الأسرة غالباً، وبالتالي (فللذكر مثل حظ الأنثيين) من الشقاء خارج البيت والحروب والقتل والخطف! القضية هي قضية مشاركة لا قضية هيمنة، إنها حكاية تعاون وتضامن لا حروب أجناس، وهي قضية احترام متبادل لا نكايات وكيد متبادل.
المجتمع العربي هو بالتأكيد مجتمع ذكوري ولكن لا حل سحرياً آنياً بضغطة زر أو بقانون، ولا مفر من التطور النابع من روح مجتمعاتنا وليس المستورد، بحيث تتحمل المرأة المزيد من المسؤوليات مقابل المزيد من حريات تستحقها بالتأكيد، وهي تستطيع بالتأكيد تحمل تبعات ما يترتب عليها من واجبات جديدة. نغتني بالاستنارة بتجارب الشعوب الأخرى، ولكن نقلها الحرفي الآلي الكاريكاتيري ورطة.
* ما مأخذك على الرجل العربي·· ماذا ينقصه؟ وإذا كان مقصراً، فهل بسبب أمه التي رعته؟
- الازدواجية لدى الثوريين خاصة والذكور العرب عامة هي مأخذي الأول على بعض الرجال العرب، فحين تنجح (الثورة) مثلاً بفضل معونة المرأة تتم إعادتها إلى المطبخ لتغلي القهوة للرفاق في (المقهى الثوري) ويتولى الذكور المناصب القيادية! الأستاذ الجامعي يحاضر عن تحرر المرأة في المنتدى الفكري ثم يضرب زوجته حين يعود إلى البيت لأنها غادرته دونما استئذان. ثم إن الازدواجية تطول سلوكه حين يتعامل مع المرأة الغربية.. والعربية أيضاً حين يطالبها بالمستحيل.. فهو يريدها مجربة ولكن بلا تجربة، أي يطلب منها التحليق مثله، بينما يداها مقيدتان بكل المفاهيم العتيقة.. المطلوب إطلاق سراح طاقات المرأة كي تعمل وتتعلم وتستقل وتخطئ أيضاً، والمطلوب إقامة حوار علني حول هذه الأمور للاحتفاظ بما هو إنساني من تقاليدنا، وتجاوز ما يشتت قدرتنا على العطاء.. المطلوب تثقيف الطفل العربي على نحو آخر وتطوير المناهج المدرسية للمساهمة في خلق فرد عربي غير مصاب بازدواج الشخصية وعقدة العظمة والاضطهاد في آن معاً، أي بالشيزوفرينيا والبارانويا والنوستالجيا أيضاً (الحنين لماض غابر مضى). أما عن (رعاية) المرأة طفلها فتتم حالياً على هدى التعاليم الذكورية للمجتمع والذنب ليس ذنب الأب، بل النظرة الاجتماعية العامة المحنطة المقصرة عن التطور مع ضرورات العصر شئنا أم أبينا، ومَنْ يرفض ذلك التطور ينقرض كأي ديناصور آخر.
* كانت العرب قبل الإسلام وإلى ما بعده تنسب الرجل إلى أمه.. عمرو بن هند وعمرو بن كلثوم.. وهكذا، هل حصل شيء ما حتى انقلب الأمر بحيث تراجعت المرأة العربية؟
- نسب الرجل إلى أمه له أسباب أخرى غير عز المرأة (الموهوم) في الجاهلية، حين كان وأد البنات شائعاً! أفضّل أن ينتسب الطفل إلى أبويه، ولا يتنصل من رعايته الأم والأب معاً.
من طرفي لا أعتقد أن وضع المرأة في الجاهلية كان أفضل من وضعها في الإسلام بل العكس هو الصحيح- بما لا يقاس- في نظري. المجتمع (الأمومي) المفترض وهم لا نستطيع إثبات تحققه تاريخياً وجميع المجتمعات التاريخية ذكورية، والعرب لم يشذوا عن هذه القاعدة لا قبل الإسلام ولا بعده، وإن كان الإسلام قد رفع من شأن المرأة قياساً بما سبقه وما عاصره أيضاً، وليس ثمة ما يدعى بـ(عصر ذهبي) للمرأة في أي مجتمع وذلك أصلاً ليس هو المطلوب في نظر نسوة معتدلات مثلي... أكره الحرب بين الجنسين ولا أرى أن من مصلحة المجتمع أن يسود أحدهما.
بالمقابل، لا نستطيع القول إن وضع المرأة العربية لم يتحسن عما كان عليه في ماضينا القريب، والشواهد على ذلك ساطعة وثمة اتجاه عام بطيء لكنه مستمر نحو الاعتراف بإنسانية المرأة.. وصحيح أن مجتمعاتنا العربية ليست في طليعة هذه المجتمعات المتطورة لكننا كنساء عربيات نحاول ونصبر وننجح أحياناً في إثبات أننا ننتمي إلى الجنس البشري!! وما أكثر المشككين في ذلك! في وجهة نظري، الحرب بين الرجل العربي والمرأة، حرب على الحياة والمستقبل.
* هل يعتبر التمرد على الرجل إحدى دعائم أدبك؟
- أدبي ليس تمرداً على الرجل بل تمردٌ معه ضد ممارسات وطقوس بعضها متوارث ويزيدنا إذعاناً في زمن الانحطاط العربي. في أدبي تجد تمرد الإنسان العربي، رجلاً وامرأة، ولأن المرأة تتعرض لاضطهاد مركب فإنني أسلط بقعة الضوء عليها كثيراً.
وإليك هذه الشهادة من أستاذ جامعي غربي لا يعرفني لكنه طالع أعمالي المترجمة، وكتاباً صدر عني بالإنجليزية، هو البروفيسور جيمس كريتزك إذ يقول:
(امرأة عربية هائلة الموهبة تكتب بلا خوف عن جذور وتشعبات القضايا العربية لا مجرد كتابات نسائية (وومنزليب) ــ بالإنكليزية ــ سطحية كما نُعرّف الأدب النسائي في الغرب.
إن قدرة السمان على رصد تشابك الأسباب بعيداً عن هستيريا أحادية النظرة هي ظاهرة).
هذه الشحنة في روح أعمالي التقطها ذات يوم الناقد المرحوم د· غالي شكري، وأظن أن إعادة قراءة أعمالي لا مفر منها لمن يريد إطلاق الأحكام عليها، فنحن لا نستطيع وضع نتاج (لابسات التنورة) في سلة واحدة، تماماً كما لا نستطيع وضع أعمال نجيب محفوظ وأي ذكر آخر في سلة واحدة لمجرد أنهما من فئة الذكور!
* ما أهم التجارب التي جعلتك تكتبين بهذا الشكل المثير؟
- هل أكتب حقاً بشكل مثير؟ هل قول الصدق مثير في مجتمعاتنا مثل تفجير قنبلة في سوق الحواة والمهرجين في استعراض السيرك العربي الكبير؟
هل أضحى قول الصدق فعل إثارة يسبب هياج القبيلة؟ ومن قال إن شهادة الصدق صناعة ذكورية!
:
:
:
وللأبحـــــــــار بقية
لن أطيل لأن هناك صوت للجمال يهمس لي .. :
دعيهم يبحرون بدون مقدمات ..........................!!!
حوار: شاكر نوري- باريس
خاص بالمدى
لا يتركك أدب غادة السمّان لا مبالياً حتى لو تقصدت ذلك، فعلى مدى ثلاثة عقود، وأكثر من ثلاثين كتاباً، تمكنت الكاتبة العربية الشهيرة غادة السمان من رسم ملامح سيرة حياتية وأدبية حافلة واستثنائية بكل المقاييس. فقد ترجمت رواياتها إلى 13 لغة عالمية حيّة وتم تدريسها في كبريات الجامعات العالمية·· وتبقى روايات مثل (بيروت 75) و(كوابيس بيروت) و(ليلة المليار) و(سهرة تنكرية للموتى).. وأخيراً (الرقص مع البوم) خالدة في أذهان القراء العرب وغير العرب، خلال هذا التاريخ، لم تتوقف الكاتبة، الموزعة حياتياً وتجربة وغنى بين بيروت ولندن وجنيف ونيويورك وباريس، حيث تعشق شقتها المطلة على نهر السين حامل عذابات الكتّاب والأدباء العابرين لهذه المدينة، عن إثارة أبرز القضايا الساخنة، في علاقة جدلية بين ذات الكاتبة وتجاربها الحياتية.
يبقى الحوار مع كاتبة من طراز غادة السمان صعباً أو محفوفاً بمخاطر التكرار، فماذا يمكن أن أطرح عليها من أسئلة بعد هذا الكم الهائل من الحوارات التي أجريت معها؟! وجدت نفسي منقاداً إلى طرح موضوع الرجل في هموم الكاتبة...
* هل يمكن الحديث عن والدك، وما علاقتك بالرجل أباً و(زوجاً لأمك)، وبماذا أثر فيك؟
- لم أعرف أبي زوجاً لأمي، على حد تعبيرك الواقعي، حيث لم أعرف أمي التي رحلت عن عالمنا مبكراً، شابة لما تبلغ الثلاثين من العمر، وأديبة لم تتح لها فرصة جمع سطورها في كتاب.
قيل لي إنه حين رحلت أمي، أقيم مهرجان تأبيني لها في (مدرج جامعة دمشق)، ورثاها الشاعر (الناشئ) آنذاك قريبي نزار قباني بقصيدة موزونة مقفاة غير منشورة، كما رثاها آخرون من بينهم زكي المحاسني وغيرهم كثير ولا يزال كل من عرفها يذكرها بحب وحنين، ولكنني لسوء الحظ لم أعرفها ولا أذكر شيئاً عنها.
ومما جاء في قصيدة نزار قباني في رثائها قوله:
ويا روحها قد كنت جبارة العلا
ولكن - أيا لهفي- بجسم مضعضع
فطيري على الأكوان مثل حمامة
ومن فوق دوح في الفراديس فاسجعي
فمن بعد تلك الأم يضفر شعرها
عناقيد لفّت في بنان وإصبع
ومن غيرها يهفو عليها بضمة
تكاد من التحنان تمشي بأضلع
وهكذا عرفت أبي على أنه الأم والأب في آن، وعرفت عبره قدرة الرجل العربي على الحنان حتى الأمومة، والنبل والتضحية. هذه الصلة الإنسانية النادرة بيني وبين أبي كانت لقاحاً ضد التوهم الخاطئ أن الرجل العربي هو (الجلاد) وهو المسؤول عن تعاسة المرأة وتخلفها ودونيتها في مجتمعاتنا. وما زلت حتى اليوم استمد القوة من ذكرى والدي الرائع الرقيق، وما زلت حتى على ضفاف (السين) أسمع صوته الجميل وهو ينشد على ضفاف (بردى) أغاني عبد الوهاب القديمة الشاعرية وأذكر أنه كان -رحمه الله- حليفي الأول يوم بدأت الكتابة والنشر..
* ما علاقتك بابنك الرجل؟
- أجمل ما حدث لي في حياتي ليس الشهرة ولا ترجمة أعمالي إلى 13 لغة، بل الأمومة.
لقد كانت صلتي دائمة بابني منذ طفولته حتى اليوم وقد صار أستاذاً جامعياً في واحدة من جامعات (الآيفي ليغ) (أي الجامعات الخمس الأولى في الولايات المتحدة)، هذه الصلة كانت دائماً فرحة القلب ونبع غبطة وبهجة وتفاؤل. الأمومة رشوة من الطبيعة لكي نتقدم في السن سعداء بذلك، وحين أرى نضارة شباب ابني ووسامته وقامته المنتصبة كرمح وحيويته، أكاد أبارك تجاعيدي وأحتفي بها!
مرة سألتني زميلة عن رأيي في ابني فقلت لها: (ابني في عيني غزال!). فأنا أنتمي إلى فئة الأمهات الطريفات اللواتي يجدن أن الابن هو الأجمل والأعظم والأكثر رجولة وذكاء ونجاحاً.. ولا أكتمك أنني أحلم من زمان بأن أصير جدة.. وهي الأمنية الوحيدة التي لا أستطيع تحقيقها بنفسي! باختصار أنا معجبة بابني وفخورة به طفلاً ورجلاً.. إنه رائع حقاً!
* هل- بنظرك- سيبقى المجتمع العربي مجتمعاً ذكورياً وإلى متى يبقى الذكر مهيمناً وله مثل (حظ الأنثيين)؟
- دعنا لا نطرح الأمر في هذا الإطار النسوي (المتأمرك)، فالرجل العربي هو المسؤول عن إعالة الأسرة غالباً، وبالتالي (فللذكر مثل حظ الأنثيين) من الشقاء خارج البيت والحروب والقتل والخطف! القضية هي قضية مشاركة لا قضية هيمنة، إنها حكاية تعاون وتضامن لا حروب أجناس، وهي قضية احترام متبادل لا نكايات وكيد متبادل.
المجتمع العربي هو بالتأكيد مجتمع ذكوري ولكن لا حل سحرياً آنياً بضغطة زر أو بقانون، ولا مفر من التطور النابع من روح مجتمعاتنا وليس المستورد، بحيث تتحمل المرأة المزيد من المسؤوليات مقابل المزيد من حريات تستحقها بالتأكيد، وهي تستطيع بالتأكيد تحمل تبعات ما يترتب عليها من واجبات جديدة. نغتني بالاستنارة بتجارب الشعوب الأخرى، ولكن نقلها الحرفي الآلي الكاريكاتيري ورطة.
* ما مأخذك على الرجل العربي·· ماذا ينقصه؟ وإذا كان مقصراً، فهل بسبب أمه التي رعته؟
- الازدواجية لدى الثوريين خاصة والذكور العرب عامة هي مأخذي الأول على بعض الرجال العرب، فحين تنجح (الثورة) مثلاً بفضل معونة المرأة تتم إعادتها إلى المطبخ لتغلي القهوة للرفاق في (المقهى الثوري) ويتولى الذكور المناصب القيادية! الأستاذ الجامعي يحاضر عن تحرر المرأة في المنتدى الفكري ثم يضرب زوجته حين يعود إلى البيت لأنها غادرته دونما استئذان. ثم إن الازدواجية تطول سلوكه حين يتعامل مع المرأة الغربية.. والعربية أيضاً حين يطالبها بالمستحيل.. فهو يريدها مجربة ولكن بلا تجربة، أي يطلب منها التحليق مثله، بينما يداها مقيدتان بكل المفاهيم العتيقة.. المطلوب إطلاق سراح طاقات المرأة كي تعمل وتتعلم وتستقل وتخطئ أيضاً، والمطلوب إقامة حوار علني حول هذه الأمور للاحتفاظ بما هو إنساني من تقاليدنا، وتجاوز ما يشتت قدرتنا على العطاء.. المطلوب تثقيف الطفل العربي على نحو آخر وتطوير المناهج المدرسية للمساهمة في خلق فرد عربي غير مصاب بازدواج الشخصية وعقدة العظمة والاضطهاد في آن معاً، أي بالشيزوفرينيا والبارانويا والنوستالجيا أيضاً (الحنين لماض غابر مضى). أما عن (رعاية) المرأة طفلها فتتم حالياً على هدى التعاليم الذكورية للمجتمع والذنب ليس ذنب الأب، بل النظرة الاجتماعية العامة المحنطة المقصرة عن التطور مع ضرورات العصر شئنا أم أبينا، ومَنْ يرفض ذلك التطور ينقرض كأي ديناصور آخر.
* كانت العرب قبل الإسلام وإلى ما بعده تنسب الرجل إلى أمه.. عمرو بن هند وعمرو بن كلثوم.. وهكذا، هل حصل شيء ما حتى انقلب الأمر بحيث تراجعت المرأة العربية؟
- نسب الرجل إلى أمه له أسباب أخرى غير عز المرأة (الموهوم) في الجاهلية، حين كان وأد البنات شائعاً! أفضّل أن ينتسب الطفل إلى أبويه، ولا يتنصل من رعايته الأم والأب معاً.
من طرفي لا أعتقد أن وضع المرأة في الجاهلية كان أفضل من وضعها في الإسلام بل العكس هو الصحيح- بما لا يقاس- في نظري. المجتمع (الأمومي) المفترض وهم لا نستطيع إثبات تحققه تاريخياً وجميع المجتمعات التاريخية ذكورية، والعرب لم يشذوا عن هذه القاعدة لا قبل الإسلام ولا بعده، وإن كان الإسلام قد رفع من شأن المرأة قياساً بما سبقه وما عاصره أيضاً، وليس ثمة ما يدعى بـ(عصر ذهبي) للمرأة في أي مجتمع وذلك أصلاً ليس هو المطلوب في نظر نسوة معتدلات مثلي... أكره الحرب بين الجنسين ولا أرى أن من مصلحة المجتمع أن يسود أحدهما.
بالمقابل، لا نستطيع القول إن وضع المرأة العربية لم يتحسن عما كان عليه في ماضينا القريب، والشواهد على ذلك ساطعة وثمة اتجاه عام بطيء لكنه مستمر نحو الاعتراف بإنسانية المرأة.. وصحيح أن مجتمعاتنا العربية ليست في طليعة هذه المجتمعات المتطورة لكننا كنساء عربيات نحاول ونصبر وننجح أحياناً في إثبات أننا ننتمي إلى الجنس البشري!! وما أكثر المشككين في ذلك! في وجهة نظري، الحرب بين الرجل العربي والمرأة، حرب على الحياة والمستقبل.
* هل يعتبر التمرد على الرجل إحدى دعائم أدبك؟
- أدبي ليس تمرداً على الرجل بل تمردٌ معه ضد ممارسات وطقوس بعضها متوارث ويزيدنا إذعاناً في زمن الانحطاط العربي. في أدبي تجد تمرد الإنسان العربي، رجلاً وامرأة، ولأن المرأة تتعرض لاضطهاد مركب فإنني أسلط بقعة الضوء عليها كثيراً.
وإليك هذه الشهادة من أستاذ جامعي غربي لا يعرفني لكنه طالع أعمالي المترجمة، وكتاباً صدر عني بالإنجليزية، هو البروفيسور جيمس كريتزك إذ يقول:
(امرأة عربية هائلة الموهبة تكتب بلا خوف عن جذور وتشعبات القضايا العربية لا مجرد كتابات نسائية (وومنزليب) ــ بالإنكليزية ــ سطحية كما نُعرّف الأدب النسائي في الغرب.
إن قدرة السمان على رصد تشابك الأسباب بعيداً عن هستيريا أحادية النظرة هي ظاهرة).
هذه الشحنة في روح أعمالي التقطها ذات يوم الناقد المرحوم د· غالي شكري، وأظن أن إعادة قراءة أعمالي لا مفر منها لمن يريد إطلاق الأحكام عليها، فنحن لا نستطيع وضع نتاج (لابسات التنورة) في سلة واحدة، تماماً كما لا نستطيع وضع أعمال نجيب محفوظ وأي ذكر آخر في سلة واحدة لمجرد أنهما من فئة الذكور!
* ما أهم التجارب التي جعلتك تكتبين بهذا الشكل المثير؟
- هل أكتب حقاً بشكل مثير؟ هل قول الصدق مثير في مجتمعاتنا مثل تفجير قنبلة في سوق الحواة والمهرجين في استعراض السيرك العربي الكبير؟
هل أضحى قول الصدق فعل إثارة يسبب هياج القبيلة؟ ومن قال إن شهادة الصدق صناعة ذكورية!
:
:
:
وللأبحـــــــــار بقية